حكاية من ذاكرة جدي القصص والحكايات مجلة المحب الاطفال وال... 
دخول

حكاية من ذاكرة جدي 



حنينه يشدنا جميعا، وينقل لنا قصصا من ماض ترك على ملامحه خطوطا من تفاصيله، واثرا واضحا في نبرة صوته، وتجاعيد وجهه، التي غدت صفحات تروي حكايات من الاحداث البعيدة.

جلسنا الى مائدة الطعام تلفنا بمعطفها الدافئ، فاخذ جدي يتحدث كعادته....ويسلسل حديثه دون ان نمل سماعه، عن عيش مضى بتفاصيل تدفعه للاستمرار في سردها دون كلل. ونجده يغضب، ويزلزل وجدانه سماع صديق يستهين بماضيه، فيغدو صخرة لا تزعزع.

 

الجد: لم يبق لي في الحياة امر يشدني سواه.

رزان: يكاد يكون الوحيد الذي يشغلك دائما، يا جدي.

الجد: وهل يشعلني سواه؟ حاجتي اليه لا تنتهي، فهو يسكن روحي، ويتنقل معي حيثما حللت.

رزان: لله درك يا جدي ما اخصب ذاكرتك! هل هناك من تتسع ذاكرته لكل هذا؟! اظنك فريد عصرك. فانا ذاكرتي، لا تحفظ سوى بعض القصائد، حتى انني احاول ان ارددها مرارا وتكرارا، لعلي احتفظ ولو بجزء منها، ما اروع ان لا ننسى!....

الجد: آه يا بنيتي، كيف لنا ان ننسى؟ هل ينسى المرء ان يتنفس؟ وهل ينفع الجسد نضارته ان غابت روحه؟ وهل ينسى الطير حريته ان عاش في قفص من ذهب؟ فانا احيا بنسمات الربيع التي تنعش قلبي، كلما هبت من هناك.....فاشتم معها رائحة التراب المبلل بندى الصباح.

رزان: ماذا قصدت بقولك (من هناك) يا جدي؟

الجد: من (ام خالد) القرية الفلسطينية التي تجاور البحر، فيلاطفها بنسيم المنبعث من جهة الغرب، سأظلاذكر ابنيتها، وازقتها، ومسجدها الصغير، ودكاكينها البسيطة، مهما حاول المحتل ان يكتم انفاس الحنين، او يغلق منافذ الشوق، وسأظل اتفيأ ظلال اشجار الزيتون، التي ذللت الجبال، واتنفس رائحة البرتقال المنبعثة من خلايا اجسامنا، ويتجدد حبي لها بتجدد ازهار اللوز في ربوعها.

 

كانت سعادتنا في عيشنا داخل بساتيننا، وحواكيرنا، وبياراتنا المنتشرة، فنفترش ترابها او نغفوا فوق اكوام القش في بيادرها، ونفرح مع بواكير المطر، ومع تباشير سنابل القمح في حقولنا، التي ما زلت اسمع بكائها، وهيجان غضبها، وصوت حنينها لأصحابها وأهلها، فقد ضاقت ذرعا بالغرباء.....

ومن خيوط الفجر، نسجت نساؤنا هناك عباءات، تزيدها طهرا، يحاكي طهارة هذه الارض، ومن شعاع الشمس، طرزت شالات للعزة والكبرياء. اشتدت سواعدنا، وقست زنودنا، من مداعبتنا للأرض بمعاولنا، ومما كنا نبعده عن صدرها من ثقيل الحجارة عند تهيئتها للزراعة.

لم نعرف طعما للمصائب آنذاك لأيماننا وتوكلنا وبراءة احلامنا، فما كانت مطامعنا تقلقنا، بل هي حياة البساطة والاستقرار.

رزان: حدثني اكثر، يا جدي.

الجد: ما اشبه اليوم بالأمس، يا صغيرتي!

 

في يوم مشمس من ايام عام (1948)م، جلسنا وسط حديقة منزلنا في القرية، نتبادل الضحكات، ونتناول فطورنا مع العصافير، فهي لا تتوقف عن الزقزقة والحركة من حولنا، كأنها تشاركنا فرحة الاجتماع.

زران: جميل يا جدي، فانا احب تلك الاجواء، وماذا بعد؟

الجد: لن انسى تاريخا آلمت قلبي احداثه، فالسماء كان فيها ما ينذر بكارثة على وشك الحدوث. ومشهد الألم بدأ يرتسم بألوان قاتمة، وخطوط حادة بائسة، فيها القسوة والحزن. غادرت الطيور اعشاشها، ورأيت القرية حولي قد تزلزلت دورها، والأرض تبدلت ملامحها غضبا، كأنها استثقلت خطوات من اقتحمها دون استئذان، من عصابات صهيونية همجية اتت من عالم غريب، مشحونة عداوة وكراهية للعرب، وللفلسطينيين الذين يعرفون بصبرهم وارادتهم وايمانهم.

 

سارت قوافل الناس باتجاه الشرق، تاركة بيوتها، باحثة عن الامان من مجازر ترتكب بوحشية بحقهم، ومن احداث يتناقلونها بينهم عن تدمير قرى فوق رؤوس اصحابها، فمنهم من نسيته امه من شدة خوفها وهلعها، ومنهم من استشهد في الطريق، ومنهم من انقطعت اخباره ليصبح في عداد المفقودين.

 

وكلما تذكرت بكاءهم، تقلقل قلبي وهاجت احزانه. وكلما تذكرت اصفرار وجوههم، ونظراتهم الى الوراء في وداع ديارهم، تخلخلت اركان نفسي، وزاد كمدها، وتبدد ماء عيني.

انتفض الجد محاولا الوقوف على عكازته، التي تشققت بفعل السنين،

سالت رزان جدها: هل سنعود اليها يوما؟

عندها ارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة، ولمعت عيناه، لأنه اطمأن على مصير الابناء.

 

المصدر: كتاب اللغة العربية، الجزء الاول، الصف التاسع، المنهاج الفلسطيني الجديد



loader
 
مجموعاتنا بانتظارك

مجلة المحب للاطفال مكتبة عربية لتحميل ومشاهدة الإنيمي المترجم والمدبلج

افلام كرتون مدبلجة للعربية مشاهدة افلام كرتون ديزني انمي مترجم مشاهدة اونلاين

كونان ناروتو سبيس باور سبيس تون رسوم متحركة mbc3

العاب كرتون نتورك عربية - سبيس تون وسبيس باور

الجزيرة للأطفال ونكلودين العاب فلاش وقصص وحكايات اطفال almo7eb kids